علي بن أحمد المهائمي
369
خصوص النعم في شرح فصوص الحكم
يمنعه من التصرف مع كونه في مقام الفرق بعد الجمع ، ( ونحن ) مع كوننا أتم في هذا المقام ، وسائر مقامات المعرفة ( أتم في مقام الضعف والعجز ) . ثم تعجب من قول البدل فقال : ( ومع هذا ) أي مع قوله : نحن نرغب في مقامك ، وأنت لا ترغب في مقامنا ، ( فقال له : هذا البدل ما قال ) مما يشعر بقصوره عند عدم التصرف ، ولم يعرف أن ( هذا ) العجز من أبي مدين وغيره ( من ذلك القبيل ) أي : كمال مقامهم ومعرفتهم بمعارضات التصرف بالهمة مما لم يطلع عليه هذا البدل . ثم أشار إلى أن كمال المعرفة لا تمنع من التصرف بالهمة بالكلية ، بل فيه تفصيل ، وهو أنه ( قال صلّى اللّه عليه وسلّم في هذا المقام ) : أي مقام التصرف بالهمة عند الكمال كمال المعرفة ( عن أمر اللّه بذلك ) لا عن نفسه : ( وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ [ الأحقاف : 9 ] ) « 1 » أي : لا فعل لي أصلا ، ولو كان في فعل لكان في بذلك شعور ، فالتصرف في للمحقق وكذا في خواص عباده ، وإن كانوا في مقام الفرق بعد الجمع . ثم قال : ( إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ [ الأنعام : 50 ] ) أي : في أمر التصرف وتركه ( فالرسول ) وكذا خواص تابعيه ( بحكم ما يوحى إليه ) به في التصرف ، وتركه ( ما عنده ) أي : ليس عنده ( غير ذلك ) أي : خلاف ما يوحى به إليه ( فإن أوحى إليه بالتصرف بجزم تصرف ) امتثالا لأمر سيده ، وإن أمره بالتوكل فذلك عام مخصوص بهذا الأمر الخاص ، ( وإن منع ) من التصرف بجزم ( امتنع ) لهذا الأمر الخاص مع ذلك الأمر العام ، ( وإن خيّر ) بين التصرف وتركه ؛ ( اختار ترك التصرف ) رعاية للأمر العام ( إلا أن يكون ) المأمور ( ناقص المعرفة ) يرى أن ذلك الأمر العام قد خص بهذا التخيير الخاص ؛ فتجوز مخالفته وقد نقص في معرفته أن رعايته عند عدم الجزم بخلافه أولى ، كيف وتصرفه قاصر عن تصرف الحق لا محالة . ولذلك ( قال أبو السعود لأصحابه المؤمنين ) : أورد ذلك ؛ لأن من يؤمن ( به ) لا يصدقه في إعطاء الحق التصرف إياه هذه المدة المديدة ، مع عدم ظهوره به في وقت من الأوقات ، ( إن اللّه أعطاني التصرف منذ خمس عشرة سنة وتركناه تظرفا ) أي : طلبا لما هو طرفه وكماله ، إذ هو للحق ذاتي فهو في فعله أتم . قال الشيخ - رحمه اللّه : ( وهذا ) القول من أبي السعود ( لسان إدلال ) لنفسه ، فإنها وإن بلغت إلى حد وهب اللّه لها التصرف ، ففي تصرفها قصور ، وليس هذا من المعرفة لما
--> - ولد ببجاية ونشأ بها واشتهر حتى ملأ الآفاق وصار إمام الصديقين في وقته بلا شقاق ، وأخذ عنه الكبراء كالعارف ابن عربي رضي اللّه عنه وقال : كان سلطان الوارثين . ( 1 ) انظر ما رواه الحاكم في المستدرك ( 2 / 493 ) ، والطبراني في الكبير ( 9 / 302 ) ، ( 8317 ) .